الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

206

مختصر الامثل

الميدان يقال أنّه برز للقتال ، وإذا طلب القتال من الأعداء يقال أنّه طلب مبارزاً . انّ طالوت وجنوده طلبوا من اللَّه العلي القدير ثلاثة أمور ، الأوّل : الصبر والاستقامة ، الثاني : أن يثبّت أقدامهم حتى لا يُرجّح الفرار على القرار ، الثالث : من الأمور التي طلبها جيش طالوت هو « وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ » وهو في الواقع الهدف الأصلي من الجهاد ويُنفّذ النتيجة النهائية للصبر والاستقامة وثبات الأقدام . ومن المسلّم أنّ اللَّه تعالى سوف لا يترك عبادة هؤلاء لوحدهم أمام الأعداء مع قلة عددهم وكثرة جيش العدو ، ولذلك تقول الآية التالية : « فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ » . وكان داود في ذلك الوقت شابّاً صغير السن وشجاعاً في جيش طالوت . أنّ داود كان ماهراً في قذف الحجارة بالقلّاب حيث وضع في قلّابه حجراً أو اثنين ورماه بقوة وبمهارة نحو جالوت ، فأصاب الحجر جبهته بشدة فصرعه في الوقت ، فتسّرب الخوف إلى جميع أفراد جيشه ، فانهزموا بسرعة أمام جيش طالوت ، وكأنّ اللَّه تعالى أراد أن يظهر قدرته في هذا المورد وأنّ الملك العظيم والجيش الجرّار لا يستطيع الوقوف أمام شاب مراهق مسلح بسلاح ابتدائي لا قيمة له . تضيف الآية : « وَءَاتَيهُ اللَّهُ المُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ » . وعلى الرّغم من أنّ الآية لا تقول أنّ داود هذا هو داود النبي والد سليمان عليهما السلام ولكن جملة « وَءَاتَيهُ اللَّهُ المُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ » تدلّ على أنّه وصل إلى مقام النبوة . وفي ختام الآية إشارة إلى قانون كلي فتقول : « وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ » . وهذه الآيات بشارة للمؤمنين الذين يقفون في مواقع أمامية من مواجهة الطواغيت والجبابرة فينتظرون نصرة اللَّه لهم . وآخر آية في هذا البحث تقول : « تِلْكَ ءَايَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ » . تشير هذه الآية إلى القصص الكثيرة التي وردت في القرآن بشأن بني إسرائيل وأنّ كلّا منها دليل على قدرة اللَّه وعظمته ومنزهة عن كل خرافة وأسطورة ( بالحق ) حيث نزلت على نبي الأكرم صلى الله عليه وآله وكانت إحدى دلائل صدق نبوته وأقواله .